عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
571
اللباب في علوم الكتاب
فاللّه يريده ؛ لأنّ هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه ، ونصّ اللّه على أنّه لا يريده ، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة . وأجيبوا : بأنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأمر منهم طاعة وعملا جائزا مأذونا فيه ، فلا يلزم من نفي الإرادة كون هذا الأمر طاعة ، نفي كونه مراد الوجود . فصل [ في تفسير الآيات ] روي عن عبد اللّه بن مسعود قال : لما كان يوم بدر وجئ بالأسرى ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما تقولون في هؤلاء الأسرى » فقال أبو بكر : يا رسول اللّه قومك وأهلك استبقهم ، واستأن بهم لعلّ اللّه أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفّار . وقال عمر : يا رسول اللّه ، كذبوك وأخرجوك ، فدعنا نضرب أعناقهم ، مكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه ، ومكّني من فلان : « نسيبا لعمر » فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمّة الكفر . وقال عبد اللّه بن رواحة : يا رسول اللّه انظر واديا كثير الحطب ؛ فأدخلهم فيه ، ثم أضرم عليهم نارا ، فقال له العباس : قطعت رحمك . فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يجبهم ، ثم دخل فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر ، وقال ناس : يأخذ بقول عمر ، وقال ناس : يأخذ بقول ابن رواحة ، ثم خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « إنّ اللّه ليليّن قلوب رجال حتّى تكون ألين من اللبن ، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ، قال : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ إبراهيم : 36 ] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ، قال : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] ومثلك يا عمر ، كمثل نوح ، قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] ومثلك كمثل موسى ، قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ [ يونس : 88 ] الآية » . ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد منهم إلّا بفداء أو ضرب عنق » . قال عبد اللّه بن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم ، حتّى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إلا سهيل بن بيضاء « 1 » . قال ابن عباس : قال عمر بن الخطاب : فهوي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما قال أبو بكر ولم
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 383 ) والترمذي ( 3084 ) والحاكم ( 3 / 22 ) والبيهقي في « دلائل النبوة » ( 3 / 138 - 139 ) عن عبد اللّه بن مسعود وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 364 - 365 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه .